سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

117

الأنساب

فارس ، لمعرفتنا برأيه . فقال : لا ، أولئك قوم علّموا فتعلّموا ، ونبّهوا فاستيقظوا ، وندبوا إلى شيء فبالحريّ إن قاموا به . قلنا له : فالرّوم . فقال : كلّا ، أجسام وثيقة وأحلام ضعيفة . قلنا له : فالهند . قال : أصحاب حكمة لا تجاوز بلدهم . قلنا : فالصين . قال : أصحاب ترفّق وصنعة ، وليسوا هناك . قلنا له : فالترك . قال : كلاب هراش . قلنا له : فالقبط . قال : عبيد عصا . قلنا له : فالسّودان . قال : بهائم أهملت . فقلنا : قد رددنا الأمر إليك ، فأيّهم أفضل ، أصلحك اللّه ؟ قال : العرب . فتلاحظنا بأعيننا . فأقبل علينا كالمزبئرّ « 61 » وقال : ظننتم أني أردت مقاربتكم ، كلّا والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ، ولكن كرهت إن لم أكن من القوم أن يفوتني حظّي من الثواب ، وأنا أبيّن لكم : إنّ العرب لا أوّل لها تؤمّه ولا آخر لها يدلّها ، أصحاب بلد قفر ، وجبل وعر ، وإنّ أحدهم لفي فيافي الأرض ، أو قنّة من قنن الجبال ، مع بعيره وشاته ، يصف الكرم كلّه عن آخره فلا يبقي منه شيئا ، لا من كتاب علمه ولا من أحد فهمه . ثم علموا أن معاشهم من السّماء فعلموا الأنواء وقسموا الأزمنة وسمّوا الفصول بأسمائها ، وسمّوا نبات الأرض ، وحرثوه وعرفوه ، فعرفوا ما يغزر الألبان ، ويعظم الأسنمة ، كالسّعدان وغيره ، وتجنّبوا الخبيث منها كالحمض والعنصل ، ثم جعلوا بينهم كلاما يجتذب درّة اليتيم ويهزّ الكريم ، ويخرج أحدهم من ماله للمدحة ، ويحمل نفسه على التلف أنفة ، يجتنب من أن يهجى ، استخرجوا ذلك كلّه بصحّة القريحة ، لا من كتاب توارثوه ، ولا عن إمام حملوه ، قرائح صحيحة وغرائز قويّة ، وعقول ثابتة ، يحمون الذّمار ، ويحفظون الجار ، ويطلبون الثأر ، ويؤثرون النار على العار ، والفقر مع العزّ على الغنى والذّل ، يأبون الضّيم ، ويطعمون الضيف ، ويحفظون أنسابهم ومآثر آبائهم ، ما يرضي أحدهم أقلّ ممّا يسخطه ، يحلمون في موضع الحلم ، ويجهلون في موضع الجهل ، ولست بواجد هذه في أحد من الأمم « 62 » .

--> ( 61 ) ازبأرّ الرجل للشر : تهيأ ، وازبأرّ : اقشعرّ . ( اللسان ) . ( 62 ) هنا ينتهي كلام ابن المقفع ، وما بعده إضافة من المؤلف أو من المصدر الذي أخذ عنه ، والخبر في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي 1 / 70 وهو موضوع الليلة السادسة ، ورواية الخبر في الإمتاع أجود أسلوبا وأدق لفظا .